أبو الليث السمرقندي
410
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
الْحَمِيدُ يعني : غنيّ عن نفقتهم ، وعن إيمانهم ، الْحَمِيدُ في فعاله . قرأ حمزة ، والكسائي ، وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ بنصب الخاء ، والباء . وقرأ الباقون : بضم الباء ، وإسكان الخاء ، ومعناهما واحد . قرأ نافع ، وابن عامر : فإن اللّه الغني الحميد الذي لا غني مثله . والباقون : فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ بإثبات هو . ثم قال : لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ يعني : بالأمر ، والنهي ، والحلال ، والحرام ، وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ يعني : أنزلنا عليهم الكتاب ليعلموا أمتهم وَالْمِيزانَ يعني : العدل . ويقال : هو الميزان بعينه ، أنزل على عهد نوح عليه السلام لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ يعني : لكي يقوم الناس بِالْقِسْطِ يعني : بالعدل وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ يعني : وجعلنا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ يعني : فيه قوة شديدة في الحرب . وعن عكرمة أنه قال : وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ يعني : أنزل اللّه تعالى الحديد لآدم عليه السلام ، العلاة ، والمطرقة ، والكلبتين فيه بأس شديد . ثم قال عز وجل : وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ يعني : في الحديد مَنافِعُ لِلنَّاسِ مثل السكين ، والفأس ، والإبرة . يعني : من معايشهم . وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ يعني : ولكن يعلم اللّه من ينصره على عدوه وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ بقتل أعداءه كقوله : إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ويقال : لكي يرى اللّه من استعمل هذا السلام في طاعة اللّه تعالى ، وطاعة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم بالغيب . يعني : يصدق بالقلب إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ في أمره عَزِيزٌ في ملكه . ثم قال عز وجل : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ يعني : بعثناهما إلى قومهما ، وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا يعني : في نسليهما النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وكان فيهم الأنبياء مثل موسى ، وهارون ، وداود ، ويونس ، وسليمان ، وصالح ، ونوح ، وإبراهيم عليهم السلام فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ يعني : كثير من ذريتهم تاركون للكتاب . قوله عز وجل : ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ يعني : وصلنا ، واتّبعنا على آثارهم بِرُسُلِنا واحدا بعد واحد وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يعني : وأرسلنا على آثارهم بعيسى ابن مريم وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ يعني : أعطيناه الإنجيل وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ يعني : الذين آمنوا به ، وصدقوه ، واتبعوا دينه ، رَأْفَةً وَرَحْمَةً يعني : المودة . والمتوادين الذين يود بعضهم بعضا . ويقال : الرأفة على أهل دينهم ، يرحم بعضهم بعضا ، وهم الذين كانوا على دين عيسى ، لم يتهوّدوا ، ولم يتنصروا . ثم استأنف الكلام فقال : وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها يعني : ابتدعوا رهبانية ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ يعني : لم تكتب عليهم الرهبانية إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ وذلك أنه لما كثر المشركون ، خرج المسلمون منهم ، فهربوا ، واعتزلوا في الغيران ، واتبعوا الصوامع ، فطال عليهم الأمد ، ورجع بعضهم عن دين عيسى بن مريم ، وابتدعوا النصرانية . قال اللّه تعالى :